الشنقيطي
135
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
المواريث والقصاص والعتق ، وغير ذلك من عمومات أدلة الشرع . وما ذكره القرطبي من خروج الدجال من تلك العمومات بدليل حديث الجساسة لا دليل فيه ، لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص ، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي ، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس رضي اللّه عنها ، سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : إنه حدثه به تميم الداري ، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور ، لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال . قال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه « 1 » : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد ، حدثنا أبي عن جدي عن الحسين بن ذكوان ، حدثنا ابن بريدة حدثني عامر بن شراحيل الشعبي شعب همدان ، أنه سأل فاطمة بنت قيس - وكانت من المهاجرات الأول - فقال : حدثيني حديثا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تسنديه إلى أحد غيره . فقالت لئن شئت لأفلعن ؟ فقال لها : أجل ؟ حدثيني . فقالت : . . ثم ساق الحديث وفيه طول . ومحل الشاهد منه قول تميم الداري : فانطلقنا سراعا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا ، وأشده وثاقا ، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا : ويلك ! ما لك ! الحديث بطوله - إلى قوله - وإني مخبركم عني ، إني أنا المسيح ، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض ، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة ، فهما محرمتان على كلتاهما . . . الحديث . فهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور ، وإنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان . وهذا نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة . والقاعدة المقررة في الأصول : أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه ، فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل ، كما قدمناه مرارا وهو الحق ومذهب الجمهور ، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص ، ويبقى العام حجة في الباقي ، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود في مبحث التخصيص بقوله : وهو حجة لدى الأكثر إن * مخصص له معينا بين وبهذا كله يتبين أن النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة ، ونفي الخلد عن كل بشر قبله - تتناول بظواهرها الخضر ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت . والعلم عند اللّه تعالى . واعلم أن العلماء اختلفوا اختلافا كثيرا في نسب الخضر ، فقيل : هو ابن آدم لصلبه .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة حديث 119 .